الحياة الثقافية في منطقة مزاب خلال العصرين الوسيط والحديث

يحي بن عيسى بوراس يحي بن عيسى

الملخص


يُعدّ وادي مزاب من المناطق الجزائرية التي تزخر بتراث حضاري هامّ، متمثّلا في مظاهر ثقافية مادية وغير مادية. وقد أثارت هذه المظاهر الحضارية اهتمام العديد من الباحثين، منذ حوالي منتصف القرن 19م، فتناولوها بالدراسة من زوايا متعدّدة، تاريخية، اجتماعية، معمارية وعمرانية. وغير ذلك من الجوانب.

وفي هذه الورقة البحثية، نقدّم إطلالة على الحياة الفكرية والثقافية التي عرفتها منطقة مزاب عبر تاريخ يناهز ألف سنة، معتمدين في ذلك على المصادر التاريخية الموثّقة. وهي في حقيقة الأمر، حياة فكرية تمتدّ بجذورها إلى عصر التألّق الفكري في مواطن الإباضية ببلاد المغرب، كوادي ريغ ووارجلان والزاب وسوف وبلاد الجريد وجزيرة جربة وجبل نفوسة وغيرها(1)، بل إنّ أصولها تمتدّ إلى أبعد من ذلك، إلى عصر الدولة الرستمية التي بسطت سلطانها في القرن 3هـ/ 9م من تلمسان بالجزائر غربا إلى سرْت بليبيا شرقا، وعُرف عن أئمّتها الاحتفاء بالعلم والتبحّر فيه

المراجع


-شهدت هذه المواطن فترات إشعاعٍ فكريٍّ يمتدّ عبر القرون الهجرية التالية: 4، 5، 6، 7، 8. وللوقوف على ما بلغته الحياة الفكرية عند إباضية المغرب من رقيّ وتألّق في تلك الربوع، يمكن الاطّلاع على المصادر الثلاثة التالية: الوارجلاني، يحي بن أبي بكر (حيّ في سنة 474هـ): السيرة وأخبار الأئمّة، تحقيق عبد الرحمن أيوب، الدار التونسية للنشر، 1985؛ الوسياني، سليمان بن عبد السلام (حيّ في 557هـ)، سيَر المشايخ، مخطوط توجد منه عدّة نُسخ في خزائن مزاب؛ الدرجيني، أحمد بن سعيد (متوفّى في حوالي 670هـ)، طبقات المشايخ بالمغرب، حقّقه وقام بطبعه الشيخ إبراهيم طلاي، (د.م)، [2008]، طبعة ثانية مزيدة ومنقّحة.

-عن الدولة الرستمية وجوانب الحياة المختلفة التي عرفتها، ينظر: بحّاز إبراهيم بكير، الدولة الرستمية، دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، مطبعة لافوميك، الجزائر، الطبعة الأولى، 1985.

-هو الشيخ أبو عبد الله محمّد بن بكر بن أبي بكر بن يوسف الفرسطائي المولد، النفوسي الأصل، الريغي الموطن والإقامة والوفاة. وُلد في حوالي سنة 345هـ بقرية فساطو من جبل نفوسة في القطر الليبي. يُعدّ من أئمّة العلم عند إباضية المغرب؛ ومؤسّس النظام التربوي والاجتماعي المعروف لديهم بحلقة العزّابة. وهو نظام يدير شؤون الحياة الدينية والاجتماعية للمجتمعات الإباضية ببلاد المغرب بعد أفول نجم الدولة الرستمية. ولا يزال النظام قائما وسائر المفعول في كلّ من مزاب ووارجلان (ورقلة حاليا).ولمزيد الاطّلاع على حياة الشيخ أبي عبد الله، ينظر: جمعية التراث (لجنة البحث العلمي)، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، 2000، ج2/ص368-371.

-"بنو مصعب" هو الاسم القديم الذي أطلقه كتّاب سيَر الإباضية على قبيلة "بني مزاب" الزناتية. وهي النسبة التي اعتمدها العلماء والشيوخ المزابيون أنفسهم، وأثبتوها في تراثهم المدوّن، والممتدّ من حوالي منتصف القرن 9هـ إلى أواخر القرن 13هـ وأوائل القرن 14هـ تقريبا. ورسمه العلاّمة عبد الرحمن بن خلدون، هكذا: "مصاب"، على أن يُنطق حرف الصاد زايا مفخّمة. وقال إنّ نَسَبهم يجتمع مع توجين وزردال وبني عبد الواد في بادين بن محمّد، ويجتمع هؤلاء مع بني راشد في محمّد، ويرتفع نسبهم جميعا إلى زحيك بن واسين بن ورشيك بن جانا، وكانوا معروفين بين زناتة الأولى ببني واسين. وأمّا اعتمادنا نحن فعلى إثبات الرسم التالي: "مزاب"، بضمّ الميم وتفخيم الزاي. (عن "مصاب"، ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، كتاب العبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1968، ج6/ص122).

-الواصلية نسبة إلى واصل بن عطاء (ت.131هـ)، وإليه تنسب المعتزلة، لاعتزاله حلقة درس الحسن البصري.

-يقصد بذلك المذهب الإباضي.

-الدرجيني، المصدر السابق، ج1/ ص184-185.

-البرّادي، أبوالقاسم بن إبراهيم (ت نحو.810هـ)، جواب على رسالة الشيخ سليمان، والجواب موجود ضمن مجموع رسائل مخطوطة، ويقع من 29ظ إلى 31و؛ المجموع محفوظ في مكتبة الشيخ صالح لعلي ببني يزقن، تحت رقم م195. وعن احتكاك الشيخ أبي عبد الله ببني مزاب في تلك الفترة المبكّرة، ينظر كذلك: الوارجلاني، المصدر السابق، ص255.

-ينظر: معجم أعلام الإباضية، الترجمتان، رقم: 65، 562.

-ينظر: الدرجيني، المصدر السابق، ج1/ ص181-182).

-ينظر: مجهول (عاش في نهاية ق6هـ ومطلع ق7هـ)، ذِكْرُ بعض شيوخ الوهبية، ملحق بكتاب سيَر الشمّاخي، طبعة حجرية، قسنطينة-الجزائر، (د.ت)، ص597. وتوجد للرسالة عدّة نسخ مخطوطة في بعض مكتبات وادي مزاب.

-أكبر حملة تخريبية تعرّضت له قصور إقليم وارجلان ووادي ريغ كانت على يد يحي بن إسحاق الميورقي، وكان ذلك بين سنتيْ 26-627هـ. (يُنظر: الدرجيني ، المصدر السابق، ج2/ ص494؛ عبد الرحمن بن خلدون، المصدر السابق، ج7/ ص98).

-تعرّض عبد الرحمن بن خلدون إلى جزيرة جربة عندما تحدّث عن القبائل التي عمّرتها بقوله: «...وبينهم (أي قبائل جزيرة جربة) مجلّدات تشتمل على تآليف لأئمّتهم في قواعد ديانتهم وأصول عقائدهم وفروع مذاهبهم، يتناقلونها ويعكفون على دراستها وقرائتها...»؛ (ينظر: عبد الرحمن بن خلدون، المصدر السابق، ج6/ ص250).

-عن بعض منسوخاته، ينظر: كتاب فيه شرح الدرّة الصقيلة في شرح أبيات العقيلة، للفقيه أبي بكر بن عبد الله عُرف باللبيب، وهي نسخة مخطوطة في مكتبة الشيخ اطفيش ببني يزقن، تحت رقم: ج6؛ وكذلك: كتاب تلخيص القسمة وبيانها في الأموال، للشيخ أبي العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر، نسخة مخطوطة في خزانة الشيخ صالح لَعْلي ببني يزقن، تحت رقم: دغ107. ورقم الكتاب في فهرس الخزانة: 368.

-عن بعض مستنسخاته، يُنظر: ديوان الأشياخ (ق.5هـ)، نسخة مخطوطة في خزانة دار التلاميذ بغرداية، رقمها في الفهرس: 271.

-ينظر: الجربي، سعيد بن عليّ، رسالة إلى الشيخ أبي النجاة يونس بن سعيد بن تعاريت الجربي، وهي ضمن مجموع مخطوط في الخزانة الأولى من مكتبة الاستقامة ببني يزقن، وتقع من 44و إلى 46و. والمجموع بخطّ إسماعيل بن عيسى بن عبد الله المصعبي، ومؤرّخ في 974هـ. رقم الرسالة في فهرس الخزانة الأولى 380، ورقم المجموع في نفس الخزانة: دغ60. أمّا كتاب "سيَر المشايخ"، فالظاهر أن المقصود به كتاب السيَر، رواية أبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني.

-عن الشيخ سعيد الجربي ودوره الريادي في نهضة منطقة مزاب، يُنظر: بشير بن موسى الحاج موسى، الشيخ عمّي سعيد بن عليّ بن يحي الخيري الجربي، حياته ودوره في نهضة وادي ميزاب، مؤسّسة الشيخ عمّي سعيد [غرداية]، 1427هـ/ 2006م.

-عالم مزابي، من قصر مليكة، يُعدّ أبرز العلماء الذين تخرّجوا من حلقات الشيخ سعيد بن عليّ الجربي، وكان عضده الأيمن في حمل لواء النهضة العلمية والاجتماعية في النصف الأوّل من القرن 10هـ، ترك أجوبة علمية في الأصول، وله مراسلات إلى بعض الشخصيات العلمية على عهده، وله نظم في الفنون المعرفية المختلفة، كاللغة والمنطق والأصول وفي الحكمة والزهد وغيرها.

-للاطّلاع على بعض خزائن الكتب في القرن 10هـ بمزاب، يُنظر: بشير بن موسى الحاج موسى، مقدّمة فهرس مخطوطات الخزانة العامّة، مؤسّسة الشيخ عمّي سعيد، غرداية، 2002، الصفحات: أ -د.

-ينظر: أبو عثمان سعيد بن علي الجربي وأبو مهدي عيسى بن إسماعيل المصعبي: مجموع الأجوبة والرسائل، مخطوط في مكتبة الاستقامة ببني يزقن، نسخه إسماعيل بن عيسى بن عبد الله المصعبي بتاريخ 974هـ، رقمه في الخزانة الأولى: م60).

-ذكر العياشي (ت.1090هـ) في رحلته "ماء الموائد" أنّ إباضية مدينة ورقلة كانوا يعتمدون في فتاواهم ونوازلهم على علماء مزاب. (يُنظر: مولاي بلحميسي، الجزائر من خلال رحلات المغاربة في العهد العثماني [العياشي، عبد الله بن محمّد بن أبي بكر (ت.1090هـ)، ماء الموائد]، الشركة الوطنة للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، ص86).

-للاطّلاع على بعض خزائن الكتب في مدينة غرداية، يُنظر: بشير بن موسى الحاج موسى، مقدّمة فهرس مخطوطات الخزانة العامّة بمؤسّسة الشيخ عمّي سعيد، الصفحات: أ -د.

-في نسخة مخطوطة من كتاب "شرح الجهالات"، للشيخ أبي عمّار عبد الكافي الوارجلاني، ومؤرّخة في 13 شعبان 1157هـ، سجّل الناسخُ الشيخ يحي بن محمّد بن أبي القاسم الغرداوي في وجه الجلدة الثانية من الغلاف ما يلي: »هذا الكتاب وكتاب شرح العدل محبّسان في سبيل الله، ولهما عرجون في الغرس الذي في غابة بَبْكَرْ بن نوح في حومة التُّزوزْ، وهو الذي في الكاف على زقاق جمل أَجّامْ...«. (النسخة محفوظة في خزانة الشيخ حمو بن باحْمد بابا وموسى بغرداية، رقمها في الخزانة: حم44، وفي الفهرس: 38).

-ما أكثر المكدّرات التي اعترضت أولئك العلماء العاملين؛ فمنها ما كان متّصلا بالطبيعة الصحراوية القاسية لمنطقة مزاب وما ينجرّ عنها من عنت الحياة وشظف العيش. ومنها ما كان متّصلا بالأوضاع الاجتماعية المتدهورة عندما يسود الجهل القاتل، وتتمكّن العصبية المقيتة في النفوس. ومنها ما كان متّصلا بالحياة السياسية والأمنية التي تضطرب من حين لآخر لأسباب مختلفة.


المراجع العائدة

  • لا توجد روابط عائدة حالياً.




جميع الحقوق محفوظة 2008 © مجلة الواحات للبحوث والدراسات
P-ISSN: 1112-7163
جامعة غرداية - الجزائر